أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

67

التوحيد

حجة قدمه ، ثم لم يفصل بين الأعراض التي هي صنع غيره وبين التي هي صنعه ؛ لأن الاجتماع والزوال ونحو ذلك قد يوجد في العيان ولا يرى له الجامع المحرك ، ويحتمل أن يكون ذلك لغيره لا له وإن لم يعاين ، إذ هو نظير ما يعاين منه ، فصار ذلك كقول الثنوية وأصحاب الطبائع : تكون الأشياء بها من غير أن أقام كل منها دليل صنعه مما يفصل به من صنع غيره ، وذلك آية العجز . والمعنى الذي احتجّ اللّه به على كون العالم بكليته به إذ قال : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] ، فعلى قولهم فاللّه تعالى أيضا لم يذهب بما خلق ؛ لأنه لم يجعل عليه علما . وبعد ، فإن الأجسام اللطيفة إذا توهمت تفرقها أجزاء مما لا يتجزّأ كل جزء منها امتنع ذلك عن الإدراك بالحس ليؤدي إلى العقل ، وقد يتهيأ جمعها بغير اللّه على قدر لطف الجواهر وكثافتها ، فصارت حجج اللّه على درك الأجسام فعل غيره في الإمكان ، ولم يبيّن اللّه تعالى الخلق - بما يعلمون به أنه منه - بدليل يدفع الإمكان من غيره ليقرر كونه منه فيما أحسّهم ، فكيف فيما غيّب عنهم ، فضهى به من ذكرت من الثنوية وغيرهم أنه لم يجعل أحد منهم على فعله دليلا ، إذ ما من شر إلا وأمكن أن يكون ذلك خيرا لأحد ، وكذا في الجواهر من الحرارة والبرودة إلى آخر ما تنتهي إليه الطبائع ، وكذلك النجوم السيّارة ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : واستدل أهل التوحيد على نفي قول الثنوية بحرفين : أحدهما بقدرة كل واحد منهما على أن يسدّ شيئا عن الآخر ، ويقدر أن يفعل ما لا يعلمه الآخر ، حتى إذا قالوا : نعم ، جهّلوهما ، أو أحدهما ، وإن قالوا : لا ، عجّزوهما ، والجهل والعجز يسقطان الربوبية . والثاني ، أن ما أراد هذا إثباته يريد الآخر نفيه ، فيتناقض ، فدلّ الوجود على كون الواحد . ثم من مذهب المعتزلة أن العبد يقدر على فعل خارج مما علم اللّه أن يكون ؛ إذ كل من هو في علم اللّه أن يكون كافرا يقدر على أن يكون مؤمنا ، وحقيقة كونه خروج عن علمه ، فأوجب ذلك للعبد قدرة إسرار الفعل عن اللّه ، ثم لم ينف وحدانيته ، فكذلك لو كان ثمة إله آخر . فهذا لتعلم أن مذهبهم عند التحصيل مذهب الزنادقة ؛ إذ الذي به ثبت التوحيد هو الذي ينقض المذهبين جميعا ، واللّه الموفق . والحرف الثاني : يثبتون للعبد قدرة في نفي جميع تدبيره من التوالد ودفع وعيده من قوله : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [ الأعراف : 18 ] ، ويثبتون فعل جميع الكفرة والأبالسة بغير الذي يريد اللّه كونه ، بل هو يريد أن لا يكون ، ويبذل في منع ذلك كل ما في خزائنه حتى لو أراد أن يزيد فيه شيئا لم يقدر عليه ، ثم لم يمنع القول بالإله ، وقام الخلق على ما في علمه قيامه وكونه ، فكذلك في أمر العالم . وهو يوضح ما أخبرتك أن